الثلاثاء، ديسمبر 13، 2011

خبراء يحذرون من تأثير الحرب مع ايران على مصر


هل بدأ العد التنازلي لتدمير مفاعلاتها النووية؟
أليكس فيشمان: خطة ضرب الايرانيين جاهزة
خبراء يحذرون من تأثير الحرب مع ايران على مصر
سيف اليزل: نعارض امتلاك ايران أسلحة نووية ونعارض ضرب إسرائيل لها
محمد عباس: التهديد ليس عسكريا ولكن ضغطا على أوروبا لفرض عقوبات
علاء سالم: أمريكا من تمتلك القرار وليس إسرائيل
صبحى عسيلة: أكثر البلاد المضارة ستكون دول الخليج

كتب محمود خليل:
منذ أعلن بنيامين نيتانياهو رئيس وزراء إسرائيل, عن عزمه توجيه ضربات جوية لتدمير البرامج النووية الإيرانية خلال أسابيع أو شهور قليلة قادمة، والمنطقة العربية تنتظر بشىء من الحذر والحيطة والتخوف, ما الذى سوف تأتى به قادم الأيام, من جر المنطقة إلى أتون الحرب وعدم الاستقرار, خاصة بعد الرد الإيرانى على تصريحات نيتانياهو, والتى أعلن فيها على خامنئى مرشد الثورة الإيرانية أن تنفيذ تلك الضربة سوف يمثل نهاية الدولة الصهيونية وضرب المصالح الأمريكية فى الخليج, ولم يستبعد هو وأحمدى نجاد رئيس إيران أن تمتد الحرب ليس إلى مصالح أمريكا فى الخليج فقط, ولكنها سوف تطال داخل أمريكا وأوروبا.
كانت القناة العاشرة بالتلفزيون الإسرائيلى بثت تقريرا تلفزيونيا تحت عنوان "أفضل وسيلة للدفاع هو الهجوم", طالبت فيه القيادة الإسرائيلية أن تتذكر الهجمات الاستباقية التى منحت بمقتضاها لإسرائيل القوة والاستمرارية، مشيرة إلى حرب الأيام الستة عام 67 , وضرب المفاعل النووى العراقى فى1981, ثم ضرب ما قيل أنه مفاعل نووى سورى فى 2006, مؤكدة أن الحرب التى خسرتها كانت عام 73 لأنها لم تقم بتلك الحرب الاستباقية رغم وجود شواهد على استعداد الجيش المصرى وقتها للهجوم على إسرائيل, مما جعل تلك المعركة الأسوأ فى تاريخ الحروب الإسرائيلية, لأنها لم تعتمد الضربة الاستباقية أسلوبا للردع والهجوم.
من جانبه أكد أليكس فيشمان المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي، لصحيفة "يديعوت أحرونوت", وجود تنسيق أمريكى إسرائيلى, لتحويل تهديدات إسرائيل لإيران إلى حقيقة, والقيام بضربة عسكرية خاطفة لمفاعلها النووى مشيرا إلى أن ساعة الصفر ستكون لإسرائيل من حيث الزمن والكيفية.
أضاف فيشمان أن إسرائيل سوف تستخدم طائرات إف 35 الأمريكية المصممة لإصابة أهداف بعيدة المدى, إضافة إلى قنابل اختراق الحصون والملاجىء العميقة تحت الأرض, بخلاف طائرات سي130جي المزودة بنظم اتصال والكترونيات متقدمة، وقادرة على الطيران لأكثر من 15 ساعة متواصلة, بما يمكنها من  مراقبة كافة النشاطات في عمق ايران.
من ناحية اخرى نشر موقع "ويكيليكس" وثيقة تؤكد أن إسرائيل استبعدت فى عام 2005 ضرب مواقع نووية في إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي, مشيرة إلى أن مسئولين إسرائيليين أكدوا أن هجوما من هذا النوع مستحيل, وأن المشكلة الإيرانية يجب أن تحل دبلوماسيا.
كانت ايران اتهمت إسرائيل مؤخرا بأنها تقف وراء الانفجار الذي هز قاعدة صواريخ ايرانية غربي طهران, والذى أدى إلى تدمير العديد من صواريخ "شهاب" بعيدة المادة والتي يمكنها ضرب العمق الإسرائيلي, وذلك فى إطار ما أسمته ايران بالحرب الباردة من جانب إسرائيل إذ اتهمتها سابقا بضرب المنظومة الإلكترونية لمنشآتها النووية وإغتيال عددا من العملاء الإيرانيين.
على الرغم من أن التهديدات الإسرائيلية لتوجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية ليست جديدة، وغير مستبعدة فى وقت ترى إسرائيل أنه الوقت المناسب لتوجيه تلك الضربة, مثلما فعلت فى العراق وسوريا من قبل, دون أن تخشى أى رد من جانب الدولتين, إلا أنها على ما يبدو تخشى تلك الضربة خاصة فى ظل القوة الإيرانية المتزايدة والتى برزت فى التدريبات التى قامت بها منذ شهور فى الخليج العربى ومضيق هرمز والتى كانت استعراضا للقوة, ومثار للجدل على الساحة العسكرية والسياسية الدولية.
حتى نتلمس كل ماسبق, فى ضوء التصريحات الإسرائيلية والإيرانية, يجب علينا أن نتساءل عن الخطوات القادمة من جانب إسرائيل وإيران, وهل بمقدور إسرائيل بالفعل توجيه ضربة استباقية إلى إيران؟, وهل تتمكن إيران من الرد؟... للرد على هذه التساؤلات التقينا عددا من الخبراء فى الشأن الإسرائيلى والإيرانى لتحليل الموقف الراهن بين الدولتين, وبيان أسباب التصعيد الإسرائيلى الأخير, وتأثير تلك الضربة أو الحرب المحتملة على دول الخليج؟, ويجيب الخبراء أيضا على سؤال مهم وهو هل بدأ العد التنازلي للهجوم على ايران؟
 فى البداية يرى محمد عباس منسق مجلة "مختارات إيرانية" أن الأسباب التى دفعت إسرائيل للتلويح بالخيار العسكرى الغرض منه الضغط على الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا لوضع الملف النووى الإيرانى على جدول الأولوية العالمية, لأنها ترى أن إيران تكسب كل يوم أرضا جديدة, وتنفذ برنامجها النووى بخطوات متسارعة, مستغلة انشغال العالم بأزماته سواء الاقتصادية والمالية فى أمريكا وأوروبا, وكذا انشغال العالم بما يحدث فى العالم العربى من موجات ثورية, وبالتالى فإسرائيل ترى أنه آن الأوان لإعادة الملف النووى إلى الأجندة العالمية, وإذا لم تتحرك امريكا وأوروبا تجاه إيران, لتسوية هذا الملف, من خلال الأدوات الدبلوماسية أو العقوبات, فأنها لن تقف مكتوفة الأيدى إزاء التهديد النووى الإيرانى, وستقوم هى بتسوية هذا الملف عسكريا.
يضيف عباس: الغرض أذن من التهديد ليس عسكريا ولكنه غرض سياسى هدفه دفع أمريكا وأوروبا لفرض عقوبات اقتصادية على إيران تدفع صانع القرار الإيرانى لتقديم تنازلات أو تسوية الملف النووى حسب الرؤية الغربية, ولذا فقد طالبت إسرائيل بفرض عقوبات على البنك المركزى الإيرانى وقطاع النفط, مؤكدة أن مثل هذه العقوبات سوف يدفع إيران لتقديم تنازلات والكشف عن برنامجها النووى بشفافية لوكالة الطاقة الذرية.
عن الدلائل التى تمتلكها إسرائيل ضد إيران وأنها تصنع أسلحة نووية يقول عباس: أرى أنه لا يوجد دليل أن إيران لديها مفاعل للأغراض العسكرية حتى وكالة الطاقة الذرية, فالتقرير الأخير لم يوزع على نطاق واسع ولكنه يؤكد فى جانب منه أن إيران تحاول تطوير قدراتها النووية العسكرية, ورغم الاتهامات الغربية لإيران بسعيها لامتلاك أسلحة نووية فأنها لا تمتلك دليلا دامغا على امتلاك إيران مفاعلا نوويا عسكريا, أو لديها قدرة على امتلاك قنبلة نووية.
يشير عباس إلى أن تهديد إيران بمحو إسرائيل أو ضرب دول الخليج ليس عمليا لأنه على مستوى التنفيذ صعب جدا بل يكاد يكون مستحيلا, مستنتجا أن إيران تحاول الوصول إلى الموارد التى تمكنها من إنتاج القنبلة النووية, وتحتاج فقط بعد ذلك إلى قرار سياسى لإنتاجها بعد ذلك, وبالتالى فهى لن تنتجها بل تحاول امتلاك قرار إنتاج القنبلة النووية.
قلت له: معنى ذلك انك تتوقع عدم حدوث الضربة الإسرائيلية المتوقعة ضد إيران, ولكن فى حالة ما إذا تمت بالفعل تلك الضربة, فما تأثير ذلك على دول الخليج بصفة خاصة وعلى المنطقة العربية بصفة عامة؟
يجيب عباس: لا يمكن أن نستبعد الخيار العسكرى تماما لدى إسرائيل أو أوروبا بل فى امريكا ذاتها يوجد قوى تدفع فى اتجاه ضرب إيران, ولكن مايقف حائلا دون ذلك ما تعانيه أمريكا من أزمات داخلية اقتصادية ومالية, كما أنها تعانى فى الفترة القادمة من حالة "البطة العرجاء", بسبب قرب أنتهاء فترة رئاسة باراك أوباما, وبالتالى فليس لدى الإدارة الأمريكية القدرة على اتخاذ قرار استراتيجى خطير كضرب إيران, فى ظل الانسحاب الأمريكى العسكرى من العراق وعدم الاستقرار فى أفغانستان, ولذا يصعب عليها حاليا الدخول فى مواجهة ثالثة فى المنطقة.
يضيف: فى حالة إقدام إسرائيل على تلك الضربة فنتائجها مشكوك فيها لأنه لا يمكن أبدا القضاء على البرنامج النووى الإيرانى بضربة عسكرية واحدة, كما توجد صعوبات فى تنفيذ الضربة, فمن أين ستتوجه الطائرات التى ستضرب المفاعل؟.. فتركيا لن تسمح لإسرائيل باستغلال أراضيها لتوجيه ضربة لإيران, أما عن طريق العراق فهناك تحالف قائم بين حكومتى إيران والعراق, كما أن السعودية ودول مجلس التعاون لن تسمح بمرور الطائرات الإسرائيلية عبر أراضيها لضرب إيران, ولن تشارك فى تلك الهجمة.
قلت له وكيف ترى فى حالة إقدام إسرائيل بأية وسيلة بضرب إيران فما هو رد الفعل الإيرانى فى هذه الحالة؟
يقول عباس: لقد هددت إيران من قبل بأنها سوف تغلق مضيق هرمز ولديها القدرة على ذلك, وساعتها سيتم وقف تدفق النفط إلى امريكا واوروبا من الخليج, كذا يمكنها استهداف المصالح الأمريكية فى الخليج وبصفة خاصة القواعد العسكرية فى قطر والأمارات, وهى الهدف الرئيسى لإيران فى تلك الحالة, وربما ايضا تهاجم إسرائيل وقد تدفع بحلفائها فى لبنان (حزب الله), وغزة (حماس), وأيضا النظام السورى الموجود حاليا فى السلطة, بخلاف الخلايا الشيعية النائمة الموجودة فى دول الخليج, التى يمكنها تهديد دول الخليج بشدة, لأن النظام الإيرانى وقتها سوف يشعر بالخطر, وبالتالى سوف يستخدم كل ما يملك من أوراق, للدفاع عن نفسه.
قلت له: ولكن إيران لديها غواصات مرت منذ شهور من قناة السويس, ألا يشكل ذلك تهديدا لإسرائيل, ويمكنها من ضربها من البحر المتوسط؟
ينفى عباس ذلك الأمر بسبب قدم تلك الغواصات والبوارج مشيرا إلى أن ما حدث كان "جس نبض", القيادة المصرية الجديدة, واستعراض للقوة لا أكثر, فى ظل وجود تخطيط مسبق لتلك الجولة التدريبية للبحرية الإيرانية, قبل أحداث يناير فى مصر, كما أن إيران صرحت بأنها سوف ترسل بوارج إلى المحيط الأطلنطى, مؤكدا أن كل تلك الرحلات ليست سوى توجيه رسائل إلى القوى الكبرى أنها لن تكون لقمة سائغة فى أفواه الغرب وامريكا وإسرائيل.
سألته عن أصول نجاد اليهودية واستقباله لحاخامات يهود فى إيران, وكيف يتفق ذلك مع تهديداته بضرب إسرائيل؟
يجيب: لقد اعتدنا على التصريحات النارية من جانب نجاد والقيادات الإيرانية, خاصة فيما يخص محو إسرائيل وكذب "الهولوكست" اليهودى, وأنها أسطورة صهيونية, وهذه التصريحات تعد جزءا من العقيدة السياسية الإيرانية, حيث يستعدى خصوماته مع أمريكا, وكراهيته لإسرائيل لتدعيم مراكزه فى داخل إيران, بل فى المنطقة من خلال دعمه لمنظمات عربية مثل حماس فى غزة, وحزب الله فى لبنان, وكذا سوريا, ليكون له نفوذ فى المنطقة العربية, خاصة وأن أحد أهم أسباب الثورة الإيرانية كانت علاقات الشاه بإسرائيل و"غربنة" التعليم, و"أمركة" المؤسسات الإيرانية, وفى كل الأحوال فإيران دولة براجماتية تسعى وراء مصلحتها, فلديها القدرة على تقييم الوضع حولها وتقييم قدرتها على التعامل بشكل يضمن لها المكاسب ويجنبها الخسائر, فإيران فى أزمة غزة على سبيل المثال انتقدت مصر والسعودية وغيرها, واتهمتهم بالخيانة والعمالة والغرب ومع ذلك لم تقدم شيئا للفلسطينيين, وهو ما حدث فى أزمة البحرين فرغم تهديداتها أنها لن تقف مكتوفة الأيدى, إزاء تدخل السعودية فى البحرين ألا أنها لم تفعل شيئا, والسبب أنها تمتلك القدرة على القراءة الجيدة لقوتها وقوة الأخرين, وتعلم جيدا أنها لو تدخلت سوف تخسر, ولذا فهى دائما تعتمد على الوكلاء فى المواجهات مع الدول الأخرى, أما المواجهة المباشرة التى دخلتها فى عهد الثورة فكانت مع العراق من عام 80 إلى عام 88, فهى تتصرف بمنطق الدولة, وليس الثورة وهو ما يفسر التناقض بين التصريحات والأفعال على أرض الواقع.      
قلت له: هذا يذكرنى بموقف الاتحاد السوفيتى سابقا وروسيا حاليا, فهى تصرح بشىء ولكنها لا تفعل شىء, مثلما حدث من قبل مع مصر وغزة وأفغانستان والعراق, وغيرها وهو ما سوف يحدث مع إيران ايضا؟
يجيب: روسيا تدعم إيران ولذا فهى لن تسمح بسهولة بضرب إيران, خاصة وأن حلفاء روسيا فى المنطقة سقطوا أو كادوا مثل ليبيا القذافى, وسوريا الأسد, وبالتالى فهى تحاول الحفاظ على إيران باعتبارها الحليف الذى يكاد يكون الوحيد حاليا, ولكنها تحاول تحقيق توازن بين مصالحها مع إيران, وبين مصالحها مع الغرب, حتى لا تضر بمصالحها مع الطرفين.
رغم هذا الرفض الروسى على عدم ضرب إيران فأنها لن توافق على أن تكون إيران دولة نووية, لأنها دولة لها حدود مشتركة معها, كما أن العلاقات بين البلدين ليست على ما يرام طوال التاريخ حيث نشبت بينهما العديد من الحروب, كما احتل الاتحاد السوفيتى أجزاء من إيران بعد الحرب العالمية الثانية وفصلت أذربيجان عن إيران, ولذلك فهى تضغط على إيران لقبول الحل الدبلوماسى مع الغرب, وهو ما يفسر موافقتها على العقوبات الاقتصادية على إيران.
من جهته يشير علاء سالم الباحث فى جريدة "الأهرام", إلى أن أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أثار ضجة كبيرة إزاء إدارة ملف إيران النووي بسبب صيغة التشدد التي حملها بين طياته، وبات أقرب للتوظيف السياسي منه للعمل التقني المحايد، وضاعف من ذلك اعتماده على تقارير استخباراتية من 10 دولة في مقدمتها إسرائيل، وليس على خبراء ومفتشي الوكالة الدولية وحدهم.
يؤكد سالم فى ضوء هذا التقرير على أن التهديد الإسرائيلي الأخير والذي يدفع بمعادلة الصراع نحو حافة الهاوية ليس غاية في حد ذاته, وإنما وسيلة للضغط على إيران لإبداء تنازلات سياسية جوهرية على مائدة التفاوض، وهو مشهد تكرر منذ سنوات وتحديداً مع صدور تقارير مماثلة للوكالة في السابق.
يضيف سالم أن فهم التصعيد الإسرائيلي الأخير يجب وضعه في سياقه العام والذي يشمل أربعة أطر حاكمة:
أولها: أن إسرائيل دأبت على ممارسة هذا التصعيد المنهجي منذ سنوات وتحديداً في العامين الماضيين، حيث وضع بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الخطر الإيراني في قمة أولويات حكومته، ضمن أطر المعضلة الأمنية التي تواجهها إسرائيل وحشد لها الدعم الشعبي بالانتخابات الماضية. صحيح أن إسرائيل استعدت عسكرياً لهذا الخيار العسكري بمناورات جوية وبحرية في المتوسط والمحيط الهندي طوال السنوات الماضية، إلا أن قرار الضربة يجب أن نعلم أنه قراراً أمريكياً بالأساس وليس إسرائيلياً، لأن الولايات المتحدة بسبب طبيعة الظرف الاجتماعي والسياسي تكاد تكون أبعد عن اللجوء لهذا الخيار العسكري حالياً، رغم أنها شأنها في ذلك شأن إسرائيل غير قادرة على غض الطرف عن التطورات المتسارعة في البرنامج النووي الإيراني، وفي نفس الوقت فأنهما غير قادرتين على تحمل تكلفة تلك الضربة العسكرية بسبب غموض تداعياتها على البلدين خاصة, وعلى منطقة الخليج ثانيا, ثم على المنطقة والعالم بشكل عام، وعدم قدرة الدولتين على احتواء تلك التداعيات.
ثانيها: أن هذا التصعيد السياسي مستهدف داخلياً من قبل نتانياهو الذي يواجه حركة شعبية خطيرة تقودها لأول مرة الطبقة الوسطى -وليس اليسار الإسرائيلي- والتي تنادي بإعادة ترتيب أولويات الدولة الإسرائيلية بعيداً عن المجهود الأمني ــ العسكري لصالح سد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية. وخطورة هذا التطور الداخلي كونه يدعو خارجياً للتهدئة وتقليل نفقات موازنة الدفاع الإسرائيلية التي تلتهم ما يعادل 20 بالمائة من الموازنة العامة سنوياً، وداخلياً الدفع بالتسوية وإزاحة بؤر الاستيطان، من خلال التسوية مع الفلسطينيين، ولذا فكونه لا يملك رؤى واضحة تجاه الاستحقاقات الواجبة بهذين المجالين فإن نيتانياهو معني بالتصعيد مع إيران للتعمية على مشاكله الداخلية.
ثالثها: قدرة إيران على حيازة القدرات النووية سليماً وعسكرياً، من شأنه إنهاء الاحتكار النووي الإسرائيلي بالمنطقة، وإزالة سياسة الغموض المتعمد تجاه برنامجها النووي، ما يجعل إيران مشاركاً فاعلاً في صياغة تفاعلات المنطقة بشقيها التعاوني والصراعي، وينهي الهيمنة الإسرائيلية المطلقة عليهما.
رابعها: غاية ذات طابع قيمي أبعد مدى متعلقة بـ "الهم" الإسرائيلي وذلك عن طريق عرقلة التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية بعد ثورات الربيع العربي، لأنه من شأن تلك التطورات إحداث نقلة نوعية تجاه الدفع بالديموقراطية داخل الدول العربية وحيازة مقومات المناعة والقوة الداخلية، وما سوف تخلقه مستقبلاً من تعديل لتوازن القوى مع إسرائيل وحسم الصراع الإستراتيجي معها بما يحمله من عودة إثارة قضية الوجود الإسرائيلي بالمنطقة من جديد. ولذا فإن "توتير" الأوضاع وإعادة خلط الأوراق, مستهدف من قبل نتانياهو هدفه كبح جماح هذا التوجه.
يشير سالم إلى أن المعلومات الإسرائيلية عن القدرات النووية الإيرانية كلها مستقاة من الأجهزة الاستخباراتية -تحديداً الموساد- من خلال شبكة العملاء داخل إيران أو خارجها, وكلها تدور حول قرب حيازة إيران للقدرة النووية على المستويين النظري والعملي من خلال قدرتها على استخدام نماذج المحاكاة باستخدام الكمبيوتر، أو القدرة الفعلية على سرعة إنجاز تلك القدرات حال وجود قرار سياسي بهذا الصدد, مؤكدا أن إسرائيل ربما أدركت مع الغرب أن المجهود التخريبي للبرنامج النووي الإيراني الذي تقوم به تلك الأطراف مجتمعة أو منفردة بات غير قادراً على وقف تطوره، بسبب السرية التامة التي تفرضها إيران على تحركات علمائها في الداخل وتمنع خروجهم للخارج مهما كانت الظروف منعاً للاغتيال أو الاختطاف كما حدث مع بعض العناصر غير المؤثرة في البرنامج من قبل.
حول الوضع فى حالة تنفيذ الضربة بالفعل يؤكد سالم أن أقرب مشهد لتجسيد حجم الكارثة التي يمكن أن يسببها ضرب المنشآت النووية الإيرانية والتي دخلت معظم مفاعلاتها الخدمة التجريبية أو الفعلية ليس على صعيد الانتشار والتلوث النووي داخل منطقة الخليج فحسب، وإنما في رد الفعل الإيراني المحتمل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وكلائها الإقليميين داخل الخليج أو في لبنان والعراق. وأقرب توصيف لهذا المشهد هو توصيف "يوم القيامة" حيث تؤكد كافة التقارير الموثقة بالغرب قدرة إيران مهما كانت مسارات وحجم الضربة الجوية لها ونوعية القوى المشاركة فيها، على امتصاص الضربة الأولى وأخذ زمام المبادرة بالرد المباشر سواء تجاه الولايات المتحدة وتواجدها العسكري والاقتصادي بالخليج أو تجاه إسرائيل، مما يستتبع توسيع نطاق المواجهة لتنذر بحرب غير تقليدية داخل المنطقة لأول مرة في تاريخها.
حول تأثير تلك الحرب –فى حال وقوعها- على منطقة الخليج والمنطقة العربية والشرق الأوسط بصفة عامة يشير سالم إلى أن خطورة تلك الحرب أن وقعت ليس في تأثيراتها السلبية على الأمن والاقتصاد الإقليمي والعالمي فحسب، وإنما أيضاً في حجم الانتشار والتلوث النووي المصاحب لها سواء كان مصدره إيران أو إسرائيل حيث سيكون مفاعلها النووي في ديمونا عرضة للضربة الإيرانية المباشرة سواء شاركت في الضرب أو لا، وسيكون من الصعب على القبة الحديدية التي إقامتها إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة درأ مخاطر هذا الاستهداف سواء الإيراني أو من قبل حزب الله اللبناني. إذ يدرك الإسرائيليون قبل غيرها أن نجاحهم في ضربة منشآت نووية عربية سواء مفاعل "أوزاك" العراقي عام 1980، أو منشأة "دير الزور" السورية عام 2007 كان بمثابة نزهة، أما توجيه عمل مماثل ضد إيران التي تمتلك الكثير من التسلح العسكري والعقائدي, فسوف يعظم من تكلفة الخيار العسكري للآخرين.
من جانبه يرى صبحى عسيلة الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام, أن تهديد إسرائيل لإيران هدفه الاستهلاك الداخلى بسبب الأزمة التى يعانى منها نيتانياهو, وهو يتخذ من الأوراق الفلسطينية والإيرانية, أسلوبا للهروب من الضغوط التى يعانى منها, ويريد أن يثبت للداخل الإسرائيلى أنه والغرب يتفقون فى سياسة واحدة تجاه إيران, وهى الاستراتيجية المهمة لإسرائيل, وبالتالى فأن توحيد الغرب وامريكا مع المصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية يعد انتصارا لنيتانياهو, مشيرا أنه رغم التهديدات الإسرائيلية من نيتانياهو وقادة إسرائيل فهى لا تؤخذ على محمل الجد من جانب إيران أو دول عديدة أخرى, فالكل ينظر إلى هذا التهديد باعتباره مجرد مناورة لكسب شعبية لنيتانياهو, فإسرئيل لن تشن حربا على إيران رغم كل تلك التصريحات, لأن تلك الحرب ضد مصلحة إسرائيل الاستراتيجية, كذا ضد المصالح الأمريكية فى المنطقة.
يضيف عسيلة: بالتأكيد إسرائيل لديها معلومات عن المفاعل النووى الإيرانى وقدراتها العسكرية, عن طريق الموساد والمخابرات الأمريكية, ولا يعنى ذلك توجيه ضربة لإيران, بل المطلوب تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران, وإرغامها على التعاطى مع الوكالة الذرية, ومطالب الدول الأوربية, أما فى حالة أن اتخذ نيتانياهو قراره بالضرب فسوف ترد إيران بكل ما لديها من صورايخ على إسرائيل والقواعد الأمريكية فى الخليج, ولن تتوقف العملية إسرائيل وإيران فقط بل ستشمل دولا أخرى فى المنطقة, والتى سيكون لها كلمة فى تحقيق الضربة من عدمها, مثل تركيا والسعودية ومصر ودول الخليج والعراق.
عن رؤيته لتأثير الضربة الإسرائيلية -فى حال تنفيذها- على دول الخليج, يقول عسيلة: أن أكثر الدول المضارة فى تلك الحالة ستكون دول الخليج بسبب محدودية قوتها وقواتها العسكرية, وليس لديها القدرة على منع الطائرات الإيرانية والإسرائيلية من الطيران فوق أراضيها, كما أنها لن تمنع إيران من ضربها للتنفيس عن غضبها من دول الخليج التى تؤيد وتساند أمريكا, وبعض الدول لديها قواعد امريكية على أراضيها, وسوف يطول الضرر جميع الدول فى المنطقة خاصة دول الخليج باعتبارها دول تعيش فى رفاهية, ولا تمتلك القدرة العسكرية اللازمة لصد أى عدوان, أو أى هجوم.
سألناه عن الرأى العام الإسرائيلى وتأثيره على قرار ضرب إيران, وهل يمكن أن يقف معارضا لهذا القرار؟
يجيب: قرار ضرب إيران سوف يعطى شعبية كبيرة لمن يتخذه, ففى العادة لا يؤثر الرأى العام تأثيرا قويا على السياسة الخارجية لأى دولة, ومنها إسرائيل, ولكن إذا كانت نسبة المعارضة تتعدى 90 بالمائة فلن يكون من السهل تنفيذ قرار مثل ضرب دولة اخرى, ولكن الإسرائيليين يرون ان قرار ضرب إيران قرار استراتيجى ويعد مسألة حياة أو موت, وبالتالى فإن نظرة الإسرائيليين إلى التهديد الإيرانى لإسرائيل خاصة فى ظل تصريحات نجاد وخامنئى لإسرائيل يعد مسألة بقاء أو فناء, وفى تلك الحالة يصبح القرار قرارا عسكريا, ولا يعبأ صانع القرار بالرأى العام, لأنه بعد الدخول فى الحرب يصطف الجميع خلف القيادة, والحرب فى إسرائيل تعنى التوحد ونسيان كافة المشاكل والخلافات لأن لديهم هاجس مهم يسمى الخوف على البقاء, أو فناء الدولة.  
إذا كان هذا رأى الخبير فى الشئون الإسرائيلية فأن اللواء سامح سيف اليزل رئيس مركز الجمهورية للدراسات والأبحاث السياسية والأقليمية يرى أن توقيت التهديد الإسرائيلى لإيران مربوط بما يسمى نظرية "الاجهاض العسكرى" وهى نظرية عسكرية تكتيكية استراتيجية, تعتمد عليها إسرائيل إذ بعد أن يكتمل أى مشروع يهدد الوجود الإسرائيلى تقوم بتدميره, أى اجهاضه قبل أن يبدأ مثلما فعلت من قبل مع العراق ثم سوريا, فمن الناحية العملية يكون هذا التهديد لإيران متسقا مع العقلية الإسرائيلية والتفكير العسكرى الإسرائيلى.
يشير سيف اليزل إلى أن اكتمال البنية التحتية النووية لإيران يجعل إسرائيل تفكر جديا فى تدمير هذا المفاعل, خاصة مع التصريحات الإيرانية أنها بدأت بالفعل فى إنتاج رأس نووى عسكرى, وهذا هو ما يقلق العالم وليس إسرائيل فقط, لأن جميع الدول لديها رغبة أن لا تمتلك إيران سلاحا نوويا عسكريا, مؤكدا إلى أن مصر تؤيد بشدة عدم امتلاك إيران رؤوسا نووية عسكرية, لسببين وهما إيمان وسعى مصر إلى أن يكون الشرق الأوسط والمنطقة العربية بلا أسلحة نووية, وتعمل على ذلك, وفى ذات الوقت تحث دول العالم على إخضاع المفاعلات النووية الإسرائيلية للتفتيش الدولى, وتوقيع إسرائيل على اتفاقية حظر انتشار السلاح النووى, والتى لم توقع عليها منذ عام 1970 وحتى اليوم ترفض التوقيع عليها, رغم المحاولات الجادة من جانب مصر لتكثييف الضغوط على إسرائيل, كى توقع على الاتفاقية التى وقعت عليها مصر.
أما الأمر الثانى –حسب رؤية اليزل- فهو خشية مصر من أن تطلق إيران رأسا نوويا على إسرائيل فى يوم ما, لأن الضرر وقتها سوف يؤثر كثيرا على مصر, لأن الغبار أو الأشعاع النووى لا يعترف بالحدود, ولذا فأنه فى حال ضرب لإيران لمفاعل ديمونا الإسرائيلى أو ضربها بصواريخ نووية فسوف يصاب الإنسان المصرى والزراعة والبيئة المصرية بالإشعاع النووى, وسوف ينتج عن ذلك إصابات كثيرة بالسرطانات, وتشوه ومواليد مشوهين, وزراعات لا نستطيع تناولها, وسوف تكون كارثة كبيرة لعقود طويلة, وبالتالى فمصر لا تريد امتلاك إيران لأسلحة نووية ليس محبة لإسرائيل ولكن حماية للشعب المصرى وهو تفكير برجماتى واقعى من جانب مصر.
حول قدرة إيران على امتصاص الضربة الإسرائيلية والانتقال لمرحلة رد الفعل يشير اللواء سيف اليزل إلى أن إيران لديها صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى يمكنها من الوصول إلى إسرائيل من نوع "شهاب" و"سجيل", ووصل مداها إلى 2500 كيلومتر, مما يعنى قدرتها على ضرب القوات الأمريكية فى الخليج وأفغانستان, وضورب إسرائيل فى العمق, بل وضرب السعودية ودول الخليج المؤيدة لأمريكا وإسرائيل, مما يوسع من دائرة الحرب ولذا فمصر لا تريد اقحام الدول العربية فى هذه الحرب.
سألناه عن الهلع الذى يعيش فيه الخليجيون بسبب التهديدات الإسرائيلية لإيران؟, فأكد أنه يعطى الخليجيين العذر فى هذا الخوف والهلع من تدهور الأحوال فى المكنطقة إذا اقدمت إسرائيل على ضرب إيران مشيرا إلى أنه لاينفى ان كل رب أسرة فى الخليج يخاف على أسرته وماله وممتلكاته ومن حقه التحسب للأسوأ, حتى إذا جاء الأسوأ يكون جاهزا له, وبالتالى فهم لديهم الحق فى الالخوف ولكن لا يجب أن يصل إلى حالة الذعر والهلع, لأن الأمور لم تصل بعد إلى حد التدهور, والأمل أن تكون الفترة القادمة تنعم بالاستقرار أكثر من الفترة الحالية.
قلنا له أن التهديد الإسرائيلى على لسان نيتانياهو للاستهلاك الداخلى, ولن تقدم إسرائيل على تلك الخطوة والتى وصفت بالحمقاء, فهل يمكن لإسرائيل أن تتخلى عن مخاوفها ولا تضرب المفاعل الإيرانى؟
رد اللواء سيف اليزل: لا اعتقد ذلك لأنه فى ظل وجود, وزراء متطرفون مثل ليبرمان كوزير للخارجية, فى حكومة نيتانياهو, وهو شخص يمينى متطرف لا يقبل العرب ويكرهم ويستعديهم ويستعدى إيران, وهو الذى يحرك السياسة الإسرائيلية, بالأضافة إلى وجود ضغوط داخلية على نيتانياهو من قبل شخصيات سياسية وضباط سابقون, لتخاذ قرار بالضربة الاستباقية, وبالتالى فالأمر ليس للاستهلاك الداخلى ولكنه موضوع جدى.
قلت له: ذلك يعنى أن إسرائيل بالفعل سوف تضرب إيران؟
أجاب: نعم ولكن ليس فى القريب العاجل, ولكن بعد أن تكون إيران اجهدت بسبب فرض العقوبات الاقتصادية مثل البنك المركزى الإيرانى, والبترول والغاز ورؤوس الأموال الإيرانية فى الخارج, وقد يصل الأمر إلى الخطوط الجوية والبحرية الإيرانية, مما يضيق الخناق على الحكومة الإيرانية, وبالتالى يتم أستعداء الشعب الإيرانى على حكومته, وهو ما يعرف بتجهيز الداخل الإيرانى, وبعدها يتم توجيه الضربة الجوية السريعة, وفى تلك الحالة لن يكون فى مقدور إيران الرد. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق